لعلنا، ونحن نشهد هذا الفيضان التقني الهائل الذي اجتاح أركان حياتنا بدءًا من أبسط محادثاتنا وصولًا إلى أعقد قراراتنا الاستراتيجية، نقع في فخ التعامل مع الذكاء الصنعي كأداةٍ حديثةٍ لا أكثر. نستخدمها لتلخيص نصٍ، أو لتوليد صورةٍ، أو حتى للمساعدة في صياغة رسالةٍ إلكترونيةٍ، وكأننا نتعامل مع آلةٍ كاتبةٍ متطورةٍ.
ولكن، عندما تبدأ هذه الآلة في تجاوز معالجة المحتوى الذي نعطيها إياه لتصبح صانعةً للمحتوى، قادرةً على مضاهاة الفكر والمنطق، بل وعلى توليد الإجابات في أدق المسائل التي نطرحها عليها، فإنها تغدو شريكةً قسريةً في صناعة الوعي والمعرفة.
هنا تحديدًا يجب أن نتوقف، نحن كعرب ومسلمين، ونتساءل بجديةٍ لا تحتمل التسويف: لماذا علينا الاهتمام بالذكاء الصنعي؟
إن هذا الاهتمام ليس ترفًا علميًا يمكن تأجيله، بل هو واجبٌ حضاريٌ، لأنه يمس مباشرةً ثلاث ركائز أساسيةٍ لوجودنا وسلامة مجتمعاتنا:
- السيادة المعرفية والثقافية في عصر تسيطر فيه البيانات الغربية والليبرالية والفردانية على النماذج المولّدة.
- سلامة المرجعية الدينية والعقدية أمام تحدي “هلوسة” الآلة في الأمور الشرعية.
- الأمن القومي والاستراتيجي في ظل تحول الحروب إلى صراع خوارزمياتٍ تتحكم بها دولٌ معاديةٌ.
دعونا نتفكر سوية في هذه الأبعاد الحاسمة، وننظر إلى الذكاء الصنعي بعين البصيرة لا بعين المستهلك وحسب.
المحور الأول: الانحياز الخوارزمي وضرورة السيادة المعرفية
تزايد اعتماد الناس على سؤال الذكاء الصنعي حول أغلب نواحي حياتهم، من الأسئلة البسيطة جدًا إلى المعقدة، وقد برعت أدوات الذكاء الصنعي بإعطاء المستخدمين الإجابة النموذجية التي يبحثون عنها، مستخدمةً لغةً سهلةً تناسب المستخدم وتراعي ما تعلمته عنه من مستواه التعليمي وتفضيلات المستخدم في كيفية الرد عليه، مع إضافة لمسةٍ شخصيةٍ متملقةٍ أحيانًا.
لماذا يوافق الذكاء الصنعي على كل ما نكتبه
ما لا يدركه معظم المستخدمين أن هذه الآلات (أو النماذج بالأصح) تعلمت الكلام والإجابة باستخدام مجموعةٍ هائلةٍ من المصادر، الغالبية العظمى منها تأتي من مصادر غربيةٍ متشربةً للقيم الغربية والليبرالية المنافية للعقيدة الإسلامية، فهي انعكاسٌ للثقافة التي تدربت عليها. بالتأكيد لا يمكننا الجزم بأنها لم تتدرب على مصادر إسلاميةٍ أو عربيةٍ جيدةٍ، لكن النسبة الأكبر من مصادرها ليست إسلاميةً ولا متوافقةً مع الإسلام.
هذه القيم المدمجة داخل أدوات الذكاء الصنعي قد لا تكون قنابل موجهة ضد الإسلام والمسلمين، ولكنها تعمل عمل التغيير البطيء، شيئًا فشيئًا ستتشرب عقول المستخدمين هذه القيم شاءت أم أبت.
أثناء عملي على مقالتي السابقة عن الإبل والتفكر في خلقها طلبت من جيميناي Gemini - أداة الذكاء الصنعي من شركة غووغل Google - أن يساعدني في تلخيص الوثائقي الذي شاهدته عن الإبل، ودار بيننا حديثٌ مطولٌ عن التطور، لاحظت فيها أن النموذج الذي كان يرد على تعليقاتي رافضٌ تمامًا لفكرة الخلق ومتمسكٌ بشدةٍ بفكرة التطور الدارويني كإجابةٍ وحيدةٍ للخلق. بعد عدة رسائل متبادلةٍ توصل النموذج إلى أن رأيي قويٌ كفايةً ليرد علي بأنه لا بد بأن إيماني قويٌ بوجود الخالق وبأن الكائنات لم تنشأ مصادفةً على هذا الكوكب، وشكرني على مشاركتي لرأيي لإنهاء المحادثة.
ما العمل إذن؟ يتوجب علينا كمسلمين أن نسعى بجديةٍ لإنشاء وتدريب نماذجنا الخاصة من الذكاء الصنعي على النصوص الإسلامية بجميع اللغات، ولا أتحدث هنا عن التوليد المعزز بالاستحضار Retrieval-Augmented Generation، وإنما حتى عن بناء النموذج بالتدريب على ما نملكه من نصوصٍ كثيرةٍ باللغة العربية وغيرها من مكتبتنا الإسلامية الغزيرة. هذا سيعطينا نماذج يمكننا استخدامها في الإجابة عن الأسئلة بشكلٍ متوافقٍ مع الشريعة.
باختصار
- لا يوجد نموذج محايد. النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) تتدرب على محتوى إنترنت ضخم، وغالبيته العظمى غربية. هذا يضمن أن الإجابات المتعلقة بالأسرة، أو التاريخ، أو الشريعة ستكون مشبعة بفلسفة تخالف قيمنا. هذا ليس تحيُزًا بالخطأ، بل هو ناتج حتمي للسيادة على البيانات.
- عندما يستقي الجيل الجديد فتاواه ومعلوماته عن الإسلام من نماذج غربية، فإن الأمر يتحول من تضليل عارض إلى تغيير جذري بطيء في بنية الوعي. النماذج الغربية قد تفسر أحكاماً شرعية مثل الجهاد أو القوامة أو الحجاب بطريقة تتماشى مع السرديات الغربية أو العلمانية، مما يضعف الثوابت الفقهية.
- يجب أن يتحول الاهتمام من استهلاك التقنية إلى صناعتها، بدءًا من تجميع “الوقود” وهو البيانات الموثوقة.
- بعض الجهود المحلية بدأت بالفعل بالتفكير بهذا الاتجاه، إلا أنّها لا تعدو عن كونها مبادراتٍ شكليةٍ تلهث خلف ما هو رائجٌ حاليًا دون تخطيطٍ صحيحٍ بأهدافٍ واضحةٍ وخطاً ثابتةٍ، وأتوقع أنها ستنتهي بالفشل بمعظمها. 1، 2، 3، 4
المحور الثاني: خطورة الهلوسة في الأمور الشرعية
تعتبر النسبة الغالبة من المستخدمين إجابات الذكاء الصنعي حقيقة، حتى مع تنبيه صانعي الأدوات هذه إلى أنها قد تخطئ وعلى المستخدم التحقق من هذه المعلومات. فقد لا يعلم المستخدم العادي أن الذكاء الصنعي يهلوس، فهو مجرد آلةٍ بارعةٍ في رص الكلمات على شكل جملٍ لتعطي الإجابات الأفضل احتمالًا للمستخدم. كلما سألت هذه الآلة سؤالًا ستنظر أي الكلمات أفضل احتمالًا لتتناسب مع سياق السؤال، لتضع الكلمة الأولى ثم تنظر أي كلمةٍ تتناسب مع هذه الكلمة الأولى وتلحقها بها وهكذا. هذا يؤدي في العديد من الحالات لما يعرف بالهلوسة في الذكاء الصنعي، حيث يشعر المستخدم أن الإجابة منطقية وقوية إلا أنها مجرد كلمات عشوائية بدون أي دليل عليها. ومع أن الأدوات تتطور وتصبح أفضل يومًا بعد يومٍ، إلا أنها لا تستطيع ضمان عدم الهلوسة إلا في حالة التوليد المعزز بالاستحضار حيث يصبح احتمال الهلوسة محدودًا جدًا.
لنتخيل التالي، مستخدمٌ يريد أن يعرف حكم الشرع في المسح على الجبيرة التي يلبسها، يقوم بتصوير جبيرته وسؤال ChatGPT أو غيرها عن حكم المسح على هذه الجبيرة، فهل يا ترى سيأتيه الجواب بتأصيلٍ شرعيٍ صحيحٍ؟ أشك في ذلك جدًأ. فالفتوى لها أهلها وطريقتها في الاستنتاج العلمي من مصادر التشريع، وهي بحاجةٍ لإسنادٍ شرعي صحيح، وإلا فالاعتماد على أي فتوى سيؤدي بالإنسان لتضييع دينه.

مثال عن هلوسة الذكاء الصنعي في الأمور الشرعية

مثال عن هلوسة الذكاء الصنعي في الأمور الشرعية
لذلك وجب على العلماء التنويه إلى مخاطر سؤال الذكاء الصنعي أسئلةً شرعيةً، وعلى المختصين بناء نماذج قادرةً على الإجابة عن الأسئلة الشرعية بطريقةٍ تأصيليةٍ تبحث عن الإجابة في المصادر الموثوقة وتلخصها للمستخدم دون هلوسةٍ.
إذا أردت أن تستخدم الذكاء الصنعي في المسائل الشرعية، يمكنك أن تطلب منه المصادر التي اعتمد عليها في إجابته، وأن يعمل بطريقة الاستشهاد وألا يذكر أي معلومة إلا من مصادر حقيقةٍ موجودةٍ ويدلك عليها، وعليك أنت أن تتحقق بنفسك من هذه المصادر ومن صحتها ومن قبولها لدى العلماء بما يتوافق مع مذهبك.
لا بد لي من الإشادة بمبادرةٍ رأيتها قام بها الفريق المسؤول عن موقع عمرو خالد، حيث دربوا نموذجًا للذكاء الصنعي على الإجابة عن أسئلة الناس بالاقتباس من فيديوهات ومقالات عمرو خالد 5. وهي وضوحًا ليست نموذجًا جديدًا مختصًا بالمحتوى الشرعي والعربي، وإنما تستعمل التوليد المعزز بالاستحضار.
المحور الثالث: الذكاء الصنعي كقوة عسكرية وسيادية
وعلى غرار خطورة الذكاء الصنعي على ديننا، فله خطرً كبيرً على دنيانا، فلا يخفى على أحدٍ من متابعي السياسة الدولية وأخبار الحروب أن الذكاء الصنعي يلعب دورًا هامًا بل أساسيًا في الحروب الحديثة، في حرب روسيا على أوكرانيا، وحرب الكيان على غزة، وحرب إيران والكيان، وفي غيرها من الصراعات الإقليمية والدولية ترى الذكاء الصنعي حاضرًا وبقوةٍ. ولا نتحدث هنا عن الذكاء الصنعي التوليدي كـ ChatGPT وغيرها، بل عن الذكاء الصنعي المتخصص بالحروب والتجسس. فمؤخرًا أصبحت الدول تضخ ميزانياتٍ ضخمةً في مجال الذكاء الصنعي وأدوات التجسس المتطورة، حيث أن الحرب باتت على بعد ضغطة زرٍ واحدةٍ. فلما كانت الحرب بالأمس تتطلب تحريك الجيوش عبر القارات والبحار، نرى الحرب اليوم تبدأ بمسيَّرات وصواريخ باليسيتة وقذائف موجهة، حتى وصل الأمر إلى تفخيخ أجهزة الاتصالات وتفجيرها عن بعد كما حدث عام ٢٠٢٤ عندما فجر الكيان مئات الأجهزة التي في كانت في حوزة أفرادٍ من حزب الله اللبناني.
شاهدت منذ فترةٍ برنامجًا وثائقيًا يتحدث عن كيف أنه من الصعب على أحدٍ أن يدمر حاملةً أمريكيةً للطائرات، حيث يسرد المنتج لهذا الفيديو العديد من النقاط التي تجعل من تدمير الحاملة أمرًا شبه مستحيل. لن أذكر جميع النقاط هنا، لكن ما أردت أن أركز عليه من هذا الفيديو هو أنّ كلفة التصدي لهجومٍ بالطائرات المسيرة أو الصواريخ الباليستية على الناقلة عاليةٌ جدًا، فهي تتراوح ما بين دولارٍ واحدٍ للرصاصة الليزرية وحتى ٢٧ مليون دولارٍ للصاروخ المضاد للصواريخ الباليستية. وبالتالي فإن استهداف الناقلات سيكلف الحكومة الأمريكية مليارات الدولارات في حال اضطرت إلى استخدام العديد من أسلحتها المضادة لصد الهجمات. وهنا مربط الفرس، فالاهتمام بالصناعة الحربية لإنتاج مسيراتٍ محليةٍ الصنع كما فعلت تركيا في إنتاج مسيرة بيرقدار، وكما استخدم الثوار السورييون مسيرات شاهين في عملية ردع العدوان، فهذا الاهتمام يعود علينا بفائدةٍ عظمى تكلف العدو عتادًا وأرواحًا وأموالًا. عند اعتمادنا على الصناعة الحربية الأجنبية لتوفير مستلزماتنا من العتاد الحربي، فكأننا نضع الطوق حول رقابنا ونسلم الحبل لهم لجرنا حيث شاؤوا.
لماذا من المستحيل تقريبًا أن تغرق حاملة طائراتٍ أمريكية
خاتمة
في الختام، إن الذكاء الصنعي ليس مجرد “أداةٍ حديثةٍ” نلهو بها أو نستخدمها لتسهيل مهامنا اليومية، بل هو واقعٌ يفرض نفسه كشريكٍ قسريٍ في تشكيل وعينا ومعارفنا. إن تقاعسنا عن امتلاك زمام هذه التقنية ليس ترفًا علميًا يمكننا تأجيله، بل هو تفريطٌ في ركائز وجودنا الأساسية؛ بدءًا من سيادتنا المعرفية التي تهددها البيانات الغربية والليبرالية، وصولًا إلى سلامة عقيدتنا أمام “هلوسات” الآلة في المسائل الشرعية، وانتهاءً بأمننا القومي في عصرٍ أصبحت فيه الحروب صراعًا بين الخوارزميات.
إن خيارنا اليوم واضحٌ ولا يحتمل القسمة على اثنين: فإما أن نتحول من مستهلكين للتقنية يلهثون خلف ما شاع منها ويمنون أنفسهم بالمبادرات الشكلية التي تساير الموجة إلى صناع حقيقيين يمتلكون “الوقود” المعرفي والمادي لتقنياتهم، وإما أن نرضى بوضع الطوق حول رقابنا ونسلم الحبل لغيرنا ليجرنا حيث شاء. إن الاهتمام بالذكاء الصنعي - بناءً وتأصيلًا وتوطينًا - واجبٌ حضاريٌ وضرورةٌ شرعيةٌ واستراتيجيةٌ لحماية ديننا ودنيانا في عالمٍ لا يحترم إلا من يملك ناصية العلم والقوة.