فتنافسوها

إننا نعيش عصراً لا ريب مميز، فهو عصر السرعة، عصر التنافس، عصر بذل الجهد الأقصى للعيش بما يتناسب مع مقتضيات العصر، عصر الماديّات، عصر الفتن، عصر منصات التواصل الاجتماعي، عصر تتبع أخبار الناس لحظة بلحظة، عصر الانبهار بما يملكه الآخرون والحسرة على ما نملكه نحن، وغيره الكثير من هذه الشاكلة. ما هي الخطوط العريضة التي أنزلها الله ﷻ في كتابه وسنة نبيه ﷺ لمسيرنا في زمن كهذا؟

بدايةً لنتفق أنّا في طريقة طلبنا للرزق اليوم نبتعد عن النهج الذي وضعه الله ﷻ لنا في القرآن الكريم، فقد قال عز من قائل ﵟوَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ﱌﵞ [القصص] فالآية تأمرنا أن نطلب الآخرة أولاً في سعينا في دنيانا مع عدم نسياننا لطلب الدنيا، ولكن تنبهنا إلى أن طلبنا من الدنيا هو طلب نصيبنا الذي كتبه الله ﷻ لنا قبل خلقنا. ولكننا كثيراً ما نقوم بالعكس، فنحن نفكر أولاً بدنيانا وزيادة محصولنا منها، ونؤجل التفكير بآخرتنا لوقت آخر نتذكر الآخرة فيه، فمن منا لا يؤجل صلاته لحين انتهائه من أعماله؟ ومن منا لا يؤجل صدقته حتى يعلم أنّ ما في جيبه يكفيه ويزيد مرات ومرات؟ ومن منا لا يؤجل حَجّهُ لآخر عمره حتى ولو ملك كل ما يحتاج للحج في شبابه؟ كثيرون منا يؤجلون قضاء صيامهم لوقتٍ يكون فيه النهار قصيراً، والكثيرون يؤجلون ذكر الله ﷻ ودعاءه لحين حاجة، شغلتنا الدنيا وأنستنا أننا خُلِقّنا أصلاً لعبادة الله ﷻ ﵟوَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ﰷﵞ [الذاريات]. ليس القصد أبداً أن نكون رهباناً وأن نترك الدنيا وننشغل بالآخرة، وإنما أن نرتب أولوياتنا بما يقتضي ديننا وبما يرضي ربنا، فالله ﷻ أيضاً قال ﵟوَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ﰝﵞ [البقرة] فالخلافة هي ما نقدمه للأرض ولسكانها من كل الأجناس والأنواع، والعبادة هي ما نقدمه لله ﷻ تقرباً منه وشكراً وطاعةً له، والاثنان - الخلافة والعبادة - غايتنا في هذه الحياة الدنيا.

رزقنا مكتوب، ومضمون، ﵟوَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ ﰕﵞ [الذاريات] وسنحصل عليه بسعينا، ولكن هذا السعي يجب أن يكون في طاعة الله لا في معصيته، فعن أبي أمامة الباهلي أنّ الرسول ﷺ قال “إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ” [صحيح الجامع - الألباني] فكيفك يكون السعي؟ هل يكون بالحرص الدؤوب على المنافسة وعلى تسبيق طلب الرزق على كل شيءٍ آخر؟ الله ﷻ يبين لنا كيف أننا يجب أن “نمشي” لرزقنا لا أن “نسارع” ﵟهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ ﰎﵞ [الملك] فاختياره ﷻ لكلمة “امشوا” يدل على أن طلب الرزق يأتي بالسعي لا بالمسارعة، يأتي إذا قام أحدنا بما يجب عليه القيام به، إذا قام بعمله على الوجه اللازم، دون أن تشغله الدنيا وتستحوذ عليه، وفي قوله ﷻ “وإليه النشور” تذكيرٌ لنا بأننا سنحاسب على هذا السعي وعلى كيفيته. وحذرنا النبي ﷺ أن تأخذنا الدنيا وأن يستحوذ علينا سعينا للرزق فيهلكنا فقال ﷺ فيما قاله “فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ” [البخاري ومسلم] فحذار من التنافس في الدنيا لتقاسمها، فوالله لن نأخذ منها ذرةً ما كانت لنا أصلاً.

أما في أمور الآخرة، فقد كانت الآيات والأحاديث والقصص والعبر كثيرة جداً لتخبرنا أنّ السعي الحثيث سعي الآخرة، وأن التسابق الحقيقي هو التسابق في مرضاته ﷻ ﵟوَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ﲄﵞ [آل عمران] فعلى عكس مشينا لرزقنا علينا أن نسارع لمغفرة الله ﷻ ورضاه، وقال الله ﷻ ﵟإِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ﰻ لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ﰼﵞ [الذاريات] ﵟوَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ﰙﵞ [المطففين] بعد أن وصف الجنة وسكانها ونعيمها، فعلينا التنافس فيما ينفع آخرتنا وأن نعطيه الأولوية على دنيانا، ﵟيَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ﰈ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ﰉﵞ [الجمعة] قارنوا بين السعي إلى ذكر الله وترك الدنيا إذا حضر وقت الصلاة، وبين الانتشار في الأرض بعد انقضائها مع الإبقاء على ذكر الله في أعمالنا الدنيوية.

ما علاقة كل ما سبق بمقدمة المقالة؟ العلاقة تكمن في أننا في عصر اجتاحته الماديّات والرأسماليّة جاعلةً منّا آلاتٍ في خط استهلاكٍ وإنتاجٍ غير منتهٍ، فاستحوذت المادة على عقولنا وبتنا نلهث وراء الرزق بدلاً من أن نطلب الرزق من الرزّاق الكريم ﵟقُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ ﰊﵞ [الجمعة]، وانتشرت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مسهّلةً على مستخدميها التحاسد والتنافس في أمور الدنيا، وانشغل الناس ببعضهم وبأخبارهم حتى صاروا يصنفون بعضهم ما بين مقَدَّسين وكفرة وملحدين، شغلتنا الدنيا عن أنفسنا وعن آخرتنا، وأصبحنا نتنافسها تماماً كما حذرنا النبي ﷺ. ما نحتاجه هو ضبط للسرعات، تماماً كما نضبط سرعتنا عندما نقود السيارة، نحتاج أن نسارع في الخيرات ﵟوَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ﰻ أُوْلَـٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ﰼﵞ [المؤمنون]

تغيير عاداتنا وحياتنا لتتناسب مع منهج الله ليس بالأمر السهل، ولكن يحتاج منا للهمّة العالية والاستمرار، وكما أي تغيير، فإنّ أفضل التغيير أن تبدأ بتغييرات صغيرة حتى تعتادها، ومن ثم تزيد عليها لتصل إلى ما تصبو إليه. يمكنك مثلاً أن تختار أن تبدأ بالصلاة على وقتها، أو بالصدقة يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً، كما يمكنك مراقبة نفسك وتدوين أهدافك الدنيوية والأخروية وترتيبها بحيث يكون التركيز الأكبر على ما يرضي الله ومن ثم تركز على دنياك. وبالطبع، الاتكال على الله، فهو من بيده مقاليد كل شيء، وهو من سيعينك في الوصول إليه.

عبد الله دياب

أبحث عن اليقين في كل تفاصيل الحياة

أمستردام، هولندا

التعليقات باستخدام Disqus